أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
21
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
المقيم الموعود للمتقين . على أنك أن لم تترك المال فهو يتركك قطعا ، كما قيل : تناضله الآفات من كل جانب * فتخطئه طورا وطورا تصيبه وعليك أن تعرف أن الدنيا جمة المصائب ، وكدرة المشارب . تورث للبرية أنواع البلية مع كل لقمة غصة . فإن تأملت لماض فذلك لا يلم ما شعث ، ولا يرم ما انتكث ؛ وإن كان لحاضر فذلك بقضاء اللّه وقدره ، ومع ذلك فمنقض ؛ وإن كان لمستقبل ، فإن كان مما يحتمل وقوعه فذلك حمق ، إذ الحزن الحاضر لأمر محتمل الوقوع خارج عن طور العقل ، وإن كان محقق الوقوع كالموت فستعرف حاله . قال تعالى : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ « 1 » . قيل : هذه الآية جامعة لأصول الزهد بتمامها . ( وأما الثالث ) : فعليه أن يطلب علما يكشف حاله بعد الموت ، كما قال حارثة للنبي ، صلى اللّه عليه وسلم : كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا . وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وإلى أهل النار يتعاوون فيها . وهذا العلم انما يحصل بمعرفة حقيقة النفس ، وكيفية علاقتها بالبدن ، ووجه خاصيته التي خلق البدن لها ، ووجه التذاذه بخاصيته وكماله ، مع معرفة الرذائل المانعة له من كماله . وقد نبه الشرع عليه في مواضع كثيرة ، وأمر بالتفكر في النفس ، كما أمر بالتفكر في ملكوت السماوات والأرض . ( وأما الرابع ) : فلا ينفع الغم فيه ، بل المداواة المبادرة بالتوبة ، وإصلاح ما فرط من أمره كمن انفجر عرقه وهو يغتم له ولا يعصبه . وأيضا الفائت لا يتدارك فليشتغل بالمستقبل . وأما حال الإنسان عند الموت ، فثلاثة : الأول - ذو بصيرة . يعلم أن الحياة رق ، والموت عتق ، وأن الدنيا كخطفة برق ، وإن طال مكثه فيها . فهذا لا يغتم لموته إلا لما يفوت من خدمة ربه ، والازدياد من قربه ،
--> ( 1 ) سورة الحديد ، آية : 23 .